بعد ما يقرب من أسبوع على وقف إطلاق النيران بين المقاومة الفلسطينية ودولة الاحتلال الإسرائيلي؛ يمكننا أن نخرج بدروس مستفادة مما حدث في موجة التصعيد الأخيرة.. من المستفيد ومن الخاسر الأكبر؟

على مستوى الأرواح؛ خسر الجانب الفلسطيني 280 شهيدا ماتوا جراء القصف الذي خلّف أيضا 8900 مصابين، بينهم العديد من قادة حماس والجهاد الإسلامي. فيما خسرت إسرائيل 12 شخصًا، وأصيب 355، بينهم جنود.

وعلى مستوى اللوجستيات؛ دمرت إسرائيل 184 برجًا في غزة بشكل كامل، وتضرر 13 ألف مبنى بشكل جزئي. وعلى الجانب الآخر تضررت 1700 مركبة إسرائيلية، و3400 مبنى بشكل جزئي.

وعلى الجانب الاقتصادي؛ قدرت دولة الاحتلال خسائرها بـ 2.51 مليار دولار، مرشحة للزيادة، بعد توقف 50 مصنعا إسرائيليا أصابتها المقاومة، بجانب غياب العاملين، فيما خسرت فلسطين عددًا من المصانع والمرافق الاقتصادية، لم تقدر قيمتها تحديدا، لكنها بلا شك مؤثرة في البلد الذي يعاني اقتصاديا بالفعل.

أما على المستوى السياسي، أظهرت المقاومة تحكمًا غير مسبوق في الحرب، إذ توقف القصف -بأمرها- لمدة ساعتين على “تل أبيب”، وتلى ذلك أمر بـ عودة “للوقوف على رجل واحدة بعد الساعتين”، ما هزّ بلا شك هيبة دولة الاحتلال وقدرتها على التعاطي مع مواطنيها.

على العكس من ذلك؛ تمكنت المقاومة من نيل ثقة الفلسطينيين مجددًا؛ ويتضح ذلك في هتافات المقدسين عند اقتحام باحات المسجد الأقصى عقب ساعات من وقف إطلاق النيران، حيث رددوا: “وين يا أبو عبيدة.. بدنا الرد”.

أضف إلى ذلك ترحيب مصر ودول أخرى بعودة حركة “حماس” لدورها التاريخي كإحدى أذرع المقاومة الفلسطينية، إعمالًا بمبدأ أن أي حركة لها على أرضها ستظل ضمن إطار المقاومة، وهو الدرس الذي وعته “حماس” جيدًا في الفترة الأخيرة.

كما أن قصف دولة الاحتلال للفلسطينيين العزل كبّدها خسائر سياسية، على المستوى الدولي، كان أبرزها اعتراض 138 عضوًا في الكونجرس الأمريكي على ممارسات شملت -إلى جانب قصف المدارس- استهداف المدنيين، وهو ما اتضح في وصف أعضاء بالمجلس إسرائيل لأول مرة بأنها “دولة الفصل العنصري”، ومطالبات بحجب مبيعات الأسلحة عنها.

وعلى الأرض؛ استطاعت المقاومة أن تغير طريقة اللعب هذه المرة تمامًا، بداية من استهداف عمق تل ابيب. مرورا بالكشف عن أسلحة جديدة، واستراتيجيات جديدة تمام.

كشف الفلسطينيون هذه المرة عن أسلحة جديدة أظهرت حدوث تطور منذ الحرب على غزة 2014، خاصة على مستوى عدد الصواريخ، الذي وازى تقريبًا عدد صواريخ السابقة في وقت أقل، إذ جرى إطلاق 4 آلاف صاروخ في 11 يومًا مقارنة بنفس العدد تقريبًا خلال 48 يومًا في الحرب السابقة.

كما استطاعت المقاومة -كذلك- إجبار دولة الاحتلال على إيقاف الطيران لمدة ليست بالقصيرة عبر استهداف المطارات، ناهيك عن صفارات الإنذار المستمرة طوال الوقت سواء في مستوطنات غلاف غزة أو في عمق تل أبيب، والذي -بلا شك- يخلّف هجرة عكسية طوال الوقت من إسرائيل.

وكان لا بد للمقاومة من أن تحافظ على مكاسبها المعنوية؛ فجاءت آخر رسائل الناطق باسم سرايا القدس مؤكدة رفض المقاومة لأية رشقات صاروخية بعد إعلان وقف إطلاق النار، ومهددة برد مماثل.

ورغم أن العادة جرت أن تطلق إسرائيل وابلًا من صواريخها قبيل تنفيذ أي اتفاق، لم تسمح لها المقاومة بذلك هذه المرة، معلنة تمسكها الحازم بـ”الرد على أي خرق”، وهو ما حدث في قصف لمستوطنات غلاف غزة برشقة صاروخية قبل ساعات من دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، ردًا على قصف مماثل.

في النهاية، لا يمكننا الجزم بفوز جانب أو خسارة آخر، فرغم مكاسب المقاومة المعنوية، تظل أعداد المفقودين أهم من أي مكسب، ومن هنا فأفضل ما قد يسعى إليه الطرفان هو مجموعة تفاهمات ستظل محفوفة بمخاطر عدم وجود دولة فلسطينية.